لا تخلف الحرب الا الدمار ومن حقي عليكم الحماية
وميض البرق ، هدير الرعد، وزخات قوية من حبات الدمع تصفق زجاج المنازل...وعويل الريح الداخلة من شق في النافذة تصيح كناي حزين يشارك الخريف أحزانه،يلمع البرق فتشج سهامه زجاج النافذة ليسقط على وجهها المصفر ، خطوط هي أشبه بآثار شفرات محراث مر لتوه من فوق عينيها الغائرتين...، تتنهد، تخرج زفراتها حارة ، فتزحف سحب الحزن نحو مقلتيها ... ينهمر المطر في الخارج وتسح عيناها مطراً أغزر وأشد حرارة.
تصيح الطبيعة ... تزأر العناصر ... ويئن هو، كان الألم يقطع أوصاله ... تختنق أحرف كلماته العالقة بحبال حنجرته وهو يقول: أه...
ترتعد أطرافها .. تنظر اليه.. تأكلها الحسرة وهي تمسح بيدها المرتجفة برداً وخوفاً شعره،تغتالها أناته التي تصهر أذنها قبل أن ينسكب الخليط في قلبها فيحرقه.
يجاهد نفسه، وببطء شديد ثقيل يرفع ستار جفنه ، ليظهر جزء من بؤبؤ عينه الأسود الغارق في بحر من بياض محمر...ترتجف شفتاه وهو يقول بصوت قطعه الألم : أ.. م.. أ.. مي.
تدب حرارة الأمل ولهفة الأمومة في أوصالها .. تختلط المشاعر .. لم تعد قادرة على تمييز ما يجول في صدرها ... أحاسيس ضخمة تمتلك عنها الذكريات التي بدأت ترتسم على لوح من ظلام الغرفة المدلهم...
يجتمع الأزرق والأحمر والبرتقالي على صفحة مخيلتها.. تحافظ الألوان على استقلال جمالها وتجانسها المشترك ، فينزل الجبل الى الشاطئ ليبدأ المحيط ، وينتهي المحيط ليلتصق بجلدة السماء.. ففي السماء زرقة صافية وعلى الأرض تغفو ظلال أشجار البلح .. يومها خرج علي ابن الاثني عشر ربيعا ليلهو مع أقرانه في الحقول القريبة ... حمل كرته .. قبل أمه.. وانطلق.
يهدر الرعد من جديد ...تتساقط قطرات الماء من الشقوق الصغيرة " تك .. تك " ، تمتزج الأصوات وينغمس الواقع في دنيا الذكريات .. وفجأة ودون سابق انذار ، سقطت من أعماقها اللاواعية الى حياتها الواعية صورة مروعة مدوية .. اجتاحتها ..هوت الى حواسها كلها دفعة واحدة فشغلتها جميعها ، فبعد خروج علي بساعة واحدة دوّى صوت انفجار مريع .. هدوء قاتل نسجته أصوات مضغ ألسنة النيران لشيء ما ..دخان أسود كفّن جسد السماء ..ثم عويل بكاء وصرخات : اسحبوه، بحذر ، انتبه ، لا تقترب ، ارفعوه.
أحست في أعماقها بهوة كبيرة وكأن قلبها هوى فيها وهي تراه من بعيد محمولاً ينزف دماً وبراءة ً، لم تكن تعرف حينها أنه علي .. ابنها الوحيد .. لكنها عاطفة الأمومة ، تلك الحاسة السادسة هي ما دفعها لتنطلق كالسهم .. نعم، تركت الفأس وبشكل لا ارادي انطلقت نحوه ، ل...
- ال..ك..نبة.
- تنتفض، وكأن صوته المبحوح انتشلها من بحر الأفكار وأعادها الى شاطئ اللحظة الحالية، وبغصة في الحلق ، قالت : علي ، حبيبي... وتقبله طابعة على جبينه المحروق رسم شفتيها .
- الك .. نب ..ة.
- نم يا علي ، نم ، ولا تجهد نفسك في الكلام الآن ، ما رأيك أن أغني لك كما كنت أفعل أيام كنت طفلاً رضيعا؟
ودون أن ينبس ببنت شفة ، وبصوت مرتجف مقطع خفيض عانقته أشباح الحزن ، وبانقباضة في القلب خرجت كلماتها خجولة : يلاااا ناااام ، يلاااا نااام ... لدبحلك جوز الحمام ... روح يا حمام ولا تصدق بضحك على علي تينام ... بضحك على علي تيناااام ...
انخنق صوتها رويداً رويداً ، حتى غدا أشبه بحشرجة ابتلعها نواح الخريف قبل أن تئد المرارة الأحرف في قلبها المنفطر.
مرت ساعات الليل سريعة ، وها هي الشمس تخرج من وكرها شاقة طريقا بتؤدة مصارعة كتل السحب الرمادية التي ما انفكت تزدحم كقطع البازلت ، تندمج ثم تتمزق.
ومع خروجها خرج علي، للمرة الأولى منذ أربعة أيام ، لكنه في هذه المرة لم يكن يحمل كراسه وقلمه كعادته ، بل كان محمولاً على الأكتاف، تلك الأناشيد التي كان يستهل بها يومه تبدلت حتى أضحت اليوم عويلاً بكاءً ونواحاً ، رحل علي دون أن يمنح أمه قبلة الصباح ، دون أن يطعم قطته الصغيرة ، رحل ولن يعود ، لن يملأ المروج بضحكاته من جديد ، لن يملأ الدنيا أملاً طموحاً وأحلاماً، لن يلهو بكرته التي تمزقت يوم تمزق جسده الصغير ... ذهب ولن يعود.
في المساء، عادت سمية تجر نفسها محاولة جمع أشلائها ... محاولة كبت جماح روحها التي أبت الا أن تبقى هناك ، في مقبرة القرية ، تحرس الحفرة التي التحم فيها جسد علي بجسد الأرض ، لكن هذه الحفرة تثير في نفسها الرعب فهي شبيهة بتلك التي خبأت الحرب فيها ذلك اللغم قبل أن تضع أوزارها وترحل، ترحل وترحل معها ابتسامة الأم الثكلى ، الزوجة الأرملة، الطفل اليتيم ، ودفء البيت المهدم ... ويبقى هذا اللغم يتصيد العصافير البريئة ، يتفجر وتتفجر معه أجساد غضة وأحلام رضيعة.
يدها المرتجفة لم تقو على فتح باب البيت ، وألفت نفسها مشدودة الى قطة علي الصغيرة المتكورة في الزاوية أمامها ، لقد بدأت صورة ابنها تذيب أحاسيسها، وفجأة ، انكشفت لها في مخيلتها صورة علي وهو يهذي قائلاً: الكنبة ، الكنبة .
وبحركة هستيرية اقتحمت بيتها متجهة نحو الكنبة المهترئة ، بحثت فوجدت تحتها خاتماً نحاسيا ، ورقة ودفتر.
كتب على الورقة: الى أمي في عيدها.
وكتب في الدفتر : غداً.. عندما أصبح طبيباً ، سأعالج الفقراء دون أجر ، وسأهتم بأمي، عندها لن تحتاج الى العمل في حقل ابي سعيد البخيل، يارب أكبر بسرعة.. يا رب أكبر بسرعة.
لم تستطع هذه الأرملة الثكلى أن تكتم صرخة ألم انطلقت من صدرها، أرادت أن تبكي ولكن الدموع تجمعت في مآقيها.
أما الشمس فقاءت ما في أحشائها دماً لطخ جفن السماء، وها هي تقف على شفا هاوية الزرقة الجريحة، وبهمسات من صمت ثقيل أعلنت سيمفونية انتحارها... وغابت في بطن المحيط.
بقلم: سهى فهمي











